القوة الناعمة في أبهى صورها.. كيف جعلت الإمارات من الثقافة “مظلة أمان” عالمية؟
يعزز الفن في دولة الإمارات روح التضامن بين المبدعين ويقرب بينهم في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط توترات متصاعدة، حيث يرى فنانون ومثقفون أن هذه الظروف الصعبة ساهمت في تقوية الشعور بالمجتمع والانتماء داخل المشهد الثقافي الإماراتي، وأبرزت قوة الروابط الإنسانية التي تجمع بين الفنانين والجمهور على حد سواء.
ومع استمرار التوترات في المنطقة، أكّد عدد من الفنانين أن الإمارات تحوّلت إلى مساحة تجمع للمبدعين من مختلف الخلفيات والثقافات، وهو ما ينعكس بوضوح في طريقة تفاعل المجتمع الفني مع الأحداث الجارية.
وفي تصريحاته، قال المخرج الإماراتي علي مصطفى إنه لاحظ خلال الأيام الأخيرة حالة من الالتفاف المجتمعي بين سكّان الدولة من مختلف الجنسيات حول المكان الذي يعتبرونه وطناً لهم.
وأوضح مصطفى أن دبي لطالما كانت مدينة يعيش فيها أشخاص من جميع أنحاء العالم جنباً إلى جنب، لكن من دون تفاعل واسع بينهم في بعض الأحيان، إلا أن ما شهده مؤخراً كان مختلفاً تماماً، إذ بدا أن الناس من خلفيات متنوعة باتوا يتقاربون أكثر ويعبرون عن امتنانهم للمكان الذي يجمعهم ويهتمون به جميعاً.
شبكات ثقافية تحافظ على التواصل
ولا يقتصر هذا الشعور بالتقارب على العلاقات الفردية فقط، بل يمتد إلى شبكات العمل الثقافي في الإمارات، إذ يشير الكاتب والباحث الإماراتي ومؤسس مؤسسة بارجيل للفنون، سلطان سعود القاسمي، إلى أن العديد من المجتمعات الثقافية واصلت عقد لقاءاتها ونشاطاتها رغم الأوضاع الإقليمية، ما يعكس إصرار المبدعين على الحفاظ على مساحات الحوار والتعاون.
ومن الأمثلة على ذلك “نادي 1833” في دبي الذي يرأسه سلطان الدرمكي، حيث يواصل النادي دوره كمركز يجتمع فيه العاملون في القطاع الإبداعي، ويوفر منصة للتواصل وتبادل الأفكار بين الفنانين والكتاب وصناع الأفلام.
ويؤكد القاسمي أن هذه اللقاءات لا تقتصر على التضامن المعنوي فقط، بل تشمل أيضاً مناقشات حول تقديم دعم مالي للمعارض والفعاليات الفنية المقبلة.
المساحات الثقافية تفتح أبوابها للجميع
كما تلعب المساحات الثقافية المادية دوراً مهماً في تعزيز هذا الترابط، ففي سينما عقيل الواقعة في السركال أفنيو بدبي، اتخذت المؤسسة بثينة كاظم خطوة لافتة من خلال تقديم تذاكر بنظام “ادفع ما تستطيع” لبعض العروض السينمائية، بهدف إتاحة الفرصة للجمهور لحضور الأفلام مهما كانت ظروفهم خلال هذه الفترة.
وتوضح كاظم أن السينما استمرت في أداء دورها كنقطة لقاء للمجتمع الإبداعي، مشيرة إلى أن اللحظات الصعبة تجعل التواصل أكثر أهمية من أي وقت مضى.
وتضيف أن الدعم قد يكون أحياناً مجرد سؤال عن حال الآخرين، أو تعاون فني، أو مشاركة للموارد، مؤكدة أنه عند إعادة افتتاح السينما في نهاية الأسبوع الماضي حضر الجمهور لمشاهدة فيلم للمخرج الأمريكي جيم جارموش، ليس فقط لمتابعة العمل الفني، بل أيضاً لرغبتهم في التواجد معاً في مساحة مشتركة.
تضامن يتجاوز حدود الإمارات
ولا تتوقف هذه الروابط عند حدود الإمارات، بل تمتد عبر المنطقة بأكملها، حيث سلطت التوترات الإقليمية الضوء على الشبكات التي تربط المجتمعات الإبداعية عبر الحدود، إذ تقول الرسامة المصرية المقيمة في الإمارات نورا زيد إن الفنانين باتوا يتواصلون باستمرار للاطمئنان على بعضهم البعض، رغم اختلاف الظروف التي يعيشها كل منهم.
وتضيف زيد أن هذه اللقاءات قد تكون بسيطة في شكلها، لكنها تحمل معنى كبيراً، مشيرة إلى أنها ستشارك في جلسة رسم عبر الإنترنت مع صديقة لبنانية، موضحة أن الهدف ليس دائماً إيجاد حلول للمشكلات، بل أحياناً مجرد الاجتماع معاً وإبقاء الأيدي منشغلة بالفن.
وعبر حسابها على “إنستغرام”، جسّدت نورا زيد هذا الانتماء العميق قائلة: “عشت هنا خمسة عشر عاماً.. فباستثناء مصر، لم أمكث أنا وعائلتي في أي بلد آخر مدة كافية لنكوّن حياة مستقرة، إلى أن قررنا الاستقرار في الإمارات.. هنا درست، وعملت، وعشت، وأحببت.. هنا كوّنت صداقات تحولت إلى عائلة، والتقيت بأشخاص من مختلف مناحي الحياة.. وهنا ما زلت أقيم مع عائلتي وأصدقائي، ثابتين، ندعو لسلامة هذا البلد وأمنه، ولسلامة شعبه”.
بيئة إماراتية داعمة للإبداع
من جانبها، أكدت المخرجة الإماراتية نايلة الخاجة أن دولة الإمارات وفّرت عبر السنوات بيئة داعمة للقطاع الإبداعي، من خلال المنح الدراسية والمنصات التي تساعد الفنانين الشباب على تطوير أعمالهم وبناء مساراتهم المهنية.
وترى الخاجة أن هذه البيئة هي التي سمحت لكثير من صناع الأفلام بتحقيق أحلام مهنية ربما لم يتخيلوها من قبل، لكنها في الوقت ذاته تضع على عاتقهم مسؤولية التعبير عن روح الدولة، خصوصاً في الأوقات الصعبة.
وتشير إلى أن الأسابيع الماضية كانت اختباراً صعباً للجميع، لكنها في الوقت ذاته عززت شعوراً عميقاً بالفخر بالبلاد وبالطريقة التي أُديرت بها الأحداث بروح من الصمود والوحدة، مؤكدة أن مثل هذه اللحظات تترك أثراً عميقاً في الفنانين وتلهم قصصاً وأفلاماً جديدة أكثر عمقاً ونضجاً.
ووفق متخصصين، فإن الاستجابة التي أظهرها المجتمع الإبداعي في الإمارات، سواء عبر اللقاءات الواقعية أو الافتراضية، أثبتت أن الفن ليس مجرد ترف، بل هو حاجة إنسانية للترابط.
ومع تعاظم هذه الروابط بين الفنانين وجمهورهم، يخرج المشهد الثقافي الإماراتي من هذه المرحلة أكثر قوة وتلاحماً، مذكراً الجميع بأن القوة الناعمة لا تزال حصناً منيعاً في مواجهة تقلبات المنطقة؛ حيث لم تكن تلك المبادرات الفردية والجماعية مجرد ردود فعل عابرة، بل تأكيداً على تماسك الدولة ودور الفن كلغة عالمية للصمود ومساحة رحبة للتعاضد الإنساني.









